الشيخ محمد علي طه الدرة

196

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

تنه ، وفرقة اصطادت ، واعتدت ، فهذه هي التي مسخت قردة لهم أذناب يتعاوون . وقيل : مسخ الشبّان قردة ، والشيوخ خنازير ، فمكثوا ثلاثة أيام فقط ، ثم هلكوا ، ولم يأكلوا ، ولم يشربوا ، ولم يتوالدوا ، ونجت الفرقتان الأخريان : الناهية ، والساكتة عن النّهي ، وقيل : هلكت أيضا . ويقال : إنّ الناهين قالوا : لا نساكنكم ، فقسموا القرية بجدار ، فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ، ولم يخرج من المعتدين أحد . فقالوا : إن للناس لشأنا ، فعلوا الجدار ، فنظروا فإذا هم قردة ، ففتحوا الأبواب ، ودخلوا عليهم ، فعرفت القردة أنسابهم من الإنس ، ولا يعرف الإنس أنسابهم من القردة ، فجعلت القردة تأتي أنسابهم من الإنس ، فتشم ثيابه ، وتبكي ، فيقول لهم : ألم ننهكم ؟ ! فتقول القردة برأسها : نعم ! وانظر تفصيلهم في سورة ( الأعراف ) . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : لم يعش مسخ قطّ فوق ثلاثة أيام ، ولم يأكل ، ولم يشرب ، ولم ينسل . قال ابن عطية : وروي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وثبت : أنّ الممسوخ لا ينسل ، ولا يأكل ، ولا يشرب ، ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام ، أما قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لبني قريظة ، ولبني النّضير : « يا أحفاد القردة ! » لم يرد به إلا التّقريع ، والتوبيخ ، واللّه أعلم . الإعراب : وَلَقَدْ : الواو : حرف قسم وجر ، والمقسم به محذوف ، تقديره : واللّه . والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف ، تقديره : أقسم . هذا ؛ وبعضهم يعتبر الواو عاطفة ، وبعضهم يعتبرها حرف استئناف ، ويعتبرون الجملة الآتية جوابا لقسم محذوف ، ولا أسلمه أبدا ؛ لأنه على هذا يكون قد حذف واو القسم ، والمقسم به ، ويصير التقدير : واللّه أقسم ، أو : وأقسم واللّه . واللام واقعة في جواب القسم المحذوف ، وبعضهم يقول : اللام موطئة للقسم ، والموطئة معناها : المؤذنة ، وهذه اللام إنما تدخل على « إن » الشرطية ؛ لتدلّ على القسم المتقدم على الشرط ، وتكون الجملة الآتية جوابا للقسم المدلول عليه باللام ، والمتقدم على الشّرط حكما ، كما في قوله تعالى : لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ . . . إلخ الآية رقم [ 12 ] من سورة ( الحشر ) ، افهم هذا ، واحفظه فإنّه جيّد ، واللّه ولي التّوفيق ! . فإن قيل : ما ذكرته من إعراب يؤدي إلى حذف المقسم به ، وبقاء حرف القسم ؛ فالجواب : أنه قد حذف المقسم به حذفا مطردا في أوائل السّور . مثل قوله تعالى : وَالنَّجْمِ ، وَالشَّمْسِ وَضُحاها فإن التقدير : ورب النجم ، ورب الشمس . . . إلخ ، الدليل على ذلك التّصريح به في قوله تعالى : فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ الآية رقم [ 23 ] من سورة ( الذاريات ) ، وحذف المقسم به ظاهر في قوله تعالى : وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها . . . إلخ الآية رقم [ 71 ] من سورة ( مريم ) ، وأظهر منه في قوله تعالى : وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ الآية رقم [ 73 ] من سورة ( المائدة ) قالوا : في الآيتين حرف قسم وجر . والمقسم به محذوف بلا ريب . ( قد ) : حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال . عَلِمْتُمُ : فعل وفاعل ، والجملة الفعلية جواب القسم لا محل لها ، والقسم وجوابه كلام مستأنف لا محل له . الَّذِينَ : اسم موصول مبني على